ابن عربي

74

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

موعظة عتبة بن غزوان وكان من أهل بدر . قال خالد بن عمير : خطب ابن غزوان ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن الدنيا قد أذنت بصرم ، وولّت جدا ، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يقضي بها صاحبها ، وأنتم منقلبون منها إلى دار لا زوال لها ، فانتقلوا بخير ما يحضركم ، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ، ما يدرك لها قعرا . واللّه لتملأن فتعجبتم ، واللّه لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عاما ، وليأتينّ عليها كغطيط الزحام . ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ما لنا طعام إلا ورق الشجر حتى فرحت أشداقنا . وإني التقطت بردة ، فشققتها بيني وبين سعد ، فاتزر بنصفها ، واتزرت بنصفها ، فما أصبح منا اليوم أحد حيا إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار . وإني أعوذ باللّه أن أكون في نفسي عظيما ، وعند اللّه صغيرا ، فإنها لم تكن قطّ نبوّة ، إلا تناسخت حتى يكون عاقبتها ملكا ، وستبلون أو ستجربون الأمراء بعدنا . روينا من حديث أحمد بن حنبل ، عن شهر بن أسد ، عن سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد يعني ابن هلال ، عن خالد بن عمير . وهذا الحديث انفرد بإخراجه مسلم . وروينا من حديث الحميدي ، أنا أبو محمد بن علي بن أحمد بن سعيد ، أخبرنا أبو عبد اللّه بن ربيع ، حدثنا أبو علي إسماعيل بن القاسم ، عن أبي بكر بن دريد ، عن الحسن بن خضر ، عن حماد بن إسحاق الموصلي ، قال : سمعت أبي يقول : قال رجل من العجم لملك كان في دهره : أوصيك بأربع خلال ترضي بهن ربك ، وتصلح بهن رعيتك : لا يغرّنك المرتقى السهل إذا كان المنحدر وعرا ، ولا تعدنّ عدة ليس في نيتك وفاؤها ، واعلم أن للّه نقمات ، فكن على حذر ، واعلم أن للأعمال جزاء ، فاتّق العواقب . روينا أن بعض الملوك اتخذ كاتبا مجوسيا ، ووزيرا نصرانيا ، وحاجبا يهوديا ، فأذلوا المسلمين ، فوقفت لهم امرأة حسيبة في نازلة فما رفعوها عنها ، وأهانوها ، فتعرضت للملك يوم ركوبه ، فقالت له : أيها الملك ، سألتك بالذي أعز المجوسية بكتابك ، والنصرانية بوزارتك ، واليهودية بحجابتك ، وأذل الإسلام بك ، إلا ما نظرت في أمري . فتنبّه الملك ، وسأل عن شأنها ، وقضى حاجتها ، وتاب إلى اللّه من فعله ذلك ، واستعمل في تلك المناصب قوما من المسلمين ، وأخرج هؤلائك عنها . فجزاها اللّه من امرأة عن المسلمين خيرا .